محمد جمال الدين القاسمي

25

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الأوقات ، ولأنها أيضا أوقات مضبوطة معلومة . وقال سفيان بن عيينة : معناه : أنزل في فضله القرآن . وهذا اختيار الحسين بن الفضل ، قال : ومثله أن يقال : أنزل اللّه في الصديق كذا آية ، يريدون في فضله . وقال ابن الأنباريّ : أنزل - في إيجاب صومه على الخلق - القرآن ، كما يقال : أنزل اللّه في الزكاة كذا وكذا ، يريد في إيجابها ، وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها ، واللّه أعلم . قال الحراليّ : أشعرت الآية أنّ في الصوم حسن تلقّ لمعناه ، ويسرا لتلاوته ، ولذلك جمع فيه بين صوم النهار وتهجّد الليل ، وهو صيغة مبالغة من ( القرء ) وهو ما جمع الكتب والصحف والألواح . انتهى . وفي مدحه - بإنزاله فيه - مدح للقرآن به ، من حيث أشعر أنّ من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ، ليوقف على حقيقة ما اتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة ، من أنّه لا ريب فيه ، وأنه هدى ، على وجه أعمّ من ذلك الأول . فقال تعالى : هُدىً لِلنَّاسِ نصب على الحال . وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ عطف على الحال قبله . فهي حال أيضا . والظرف صفة . أي : أنزل حال كونه هداية للناس ، وآيات واضحة مرشدة إلى الحقّ ، فارقة بينه وبين الباطل . ولدفع سؤال التكرار في قوله وَبَيِّناتٍ . . . . إلخ بعد قوله هُدىً لِلنَّاسِ حمل بعض المفسرين الهدى الأول بواسطة النكرة على الهدى الذي لا يقدر قدره المختص بالقرآن أعني هدايته بإعجازه . والثاني على الهدى الحاصل باشتماله على الواضحات من أمر الدين ، والفرقان بين الحلال والحرام والأحكام والحدود والخروج من الشبهات . وثمّة وجه آخر نقله الرازيّ : وهو أن الْهُدى الثاني المراد به التوراة والإنجيل . قال تعالى : نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [ آل عمران : 3 - 4 ] . فبين تعالى أن القرآن - مع كونه هدى في نفسه - ففيه أيضا هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان ، واللّه أعلم . فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر - أي : حضر فيه بأن كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان وهو صحيح في بدنه - أن يصوم لا محالة . ووضع الظاهر موضع الضمير للتعظيم والمبالغة في